الشاعر المرحوم كاظم منظور الكربلائي

كلُ صوتٍِ مابكى للسبط نائم        وقضى بين أكِّف الموت نادم

رسم التـاريخ  مجدا شامخا        وسطـورا دَوِّن الدهـر لكاظم

كـاظمُ الــمنـظـور حيــاً ألِقـاً        فهو الناعي وللزهـراء خادم

     انـوح بدمعي وابچي بگلب كاظم            ومـسير الـزمـن والتاريخ كاظم [1]

لـغـفـله وللـشرع  والحـيد كاظم           مـجــد خـــدمة سلــيل الفاطميه

                                        الابيات والابوذية للشاعر زهير المخزومي


من يظن ان شعراء الجيل السابق من رجال ادبنا الشعبي لم ينظموا غير الرثاء ولم يبدعوا الا في ميدانه فقط، فظنهم هذا ضرب من الوهم حيث طرقوا كل ابواب الشعر واغراضه، فالشاعر الشعبي الكبير الراحل (كاظم المنظور الكربلائي) واحد من اولئك الرجال الذين ابدعوا ورفدوا الساحة الشعرية كتب أكثر قصائده الرثائية في حب العترة النبوية الشريفة لكونه نشا نشأة دينية وحضر المجالس الادبية لانه ولد في مدينة لها تاريخها الديني العريق. ولقب بالمنظور لكونه تخصص في نظر مراثي اهل البيت.
وهو واحد من الشعراء الذين برزوا في احياء الحركة الثقافية والادبية في مدينتهم كربلاء التي ولد فيها عام (1892) وترعرع وعاش حتى مات فيها.
اولع الشاعر الشيخ كاظم المنظور، بالشعر الشعبي منذ الصبا وجالس الكثير من الشعراء وحفظ شعر الكثير ممن سبقوه في هذا الميدان امثال حسين الكربلائي والحاج زاير الدويج وعبود غفلة وعبد الامير الفتلاوي حتى اصبح شاعراً معروفاً يعرف كل الناس في مدن البلاد.
طبع له ديوان في 21 جزءاً باسم (المنظورات الحسينية) وعرف بكثرة النظم والارتجال وهو سريع النكتة وقد ثبت ذلك في مواقف عدة منها انه طلب منه ذات يوم توليد (ابو ذية) من البيت الشعري للشاعر احمد شوقي الذي يقول فيه:
نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
فاجابهم شاعرنا المنظور:
حلاة الولف ما يرخص بسوماي                يــخف جدمه ويتابـعني بسوماي
نظره في ســـــلام فــي بسوماي                 كــلام ومــوعـــد وكــعده سوية


وقد انشد شاعرنا الكثير في حق الامام علي (ع) ومنها انشودة رائعة جاء فيها:

لالا تعذل الروح خلها بهواها
لازال تهوه حيدره خلها بهواها
عن بني عذره أو هواها تضرب الوادم مثلها
اتهوم بـدروب الموده والــهوى يجمع شملها
ضيعت عذره أو هواها روحي وتقدس محلها
اشتد غــرامي.. اوعز مقامي.. ابسر هيامي
والتزامي.. بحب امامي
اليحضر الشده أو يحلها
واصبحت روحي اليوم عذري هواها
خلها بــهواها امعذره خــلها بهواها

والمنظور واحد من الذين استهوتهم قصيدة الشاعر النجفي المرحوم السيد عبد الحسين الشرع التي كتبها عام 1937
ياطبيب اصواب دلالي كلف
لا  تلجمه بحطة السماعة
فأخذ ينظم قصيدة رائعة امتداداً لقصيدة الشرع يقول المنظور فيها:
يا طبيب اسمع والك بالسر ابيح
لو تعاهدني على كتمانه
لا تظن بدواك كلبي يستريح
ادواك مثل العلج للبطرانه
بس طبيب الهوه ايعرف ام صحيح
ويعرف شنهو دوه الوجعانه
هواي مثلك ضيعوا بيه العرف
آه من دروب الهوه ومضياعه
فكاظم المنظور كتب ما كتب في باب الابوذية وفي جميع الاغراض من غزل ومدح وهجاء ونصائح وحكم في قسميها المولدة والطليقة.    

كاظم بن حسون بن عبد عون.... ينتسب إلى شمر ... ولد بكربلاء في حدود سنة 1320 للهجره... ومات أبوه وعمره نحو من سبع سنين...
إبتدأ يقول الشعر وهو يكاد يصافح العشرين ... وفاتحة شعره هذه الأبوذيه :
إديه والمشن عالگاع ماتن .... على الناشر جعوده فوگ ماتن
لحگت ضعون ساهي العين ماتن ..... نتوادع ونتباره من الخطيه


ثم تعلم القراءه والكتابه وعمره خمس وعشرون سنه.... إذ قرأ جزء عمه على أحد المعلمين في غضون شهر... واستطاع أن يكمل (( وحده )) أجزاء القرآن الكريم كافه في شهر رمضان المبارك.... فكان يقرأ جزءا واحدا كل يوم من أيامه المباركه...

ورغب جماعة من أوليائه وخلانه في تلقيبه... ويقولون إن المرحوم )) الشيخ حسين فروخي )) لقبه بـ (( المنظور )) لأنه سمع هاتفا يقول بعيد صلاته )) كاظم منظور )).. وكان ذلك في سنة 1344 للهجره الموافقه لسنة 1924 للميلاد.. ولازمه هذا اللقب...

وهو سريع الخاطر... جيد القريحه... يحفظ كثيرا من غرر الشعر العامي .. وكان قوام ما يحفظ قبل أم يعاني قرض الشعر أكثر من ثلاثة آلاف بيت ...
وقد حدثني هو نفسه أنه يحفظ ما يقرأ عليه في أسرع من اللمح...

ومن العجائب أنه لا يستطيع أن يقصد القصائد وينظم المقطعات إلا إذا كاثرته الأشغال وغالبه العمل... ويملي ما يصوغه من الطوال جملة على من يدونه....

وهو شاعر بارع يقول أغلاقه عفو الساعة.. وقد إتفق أهل صناعة الشعر العامي على أنه أميرهم غير منازع.. يولونه فائق إحترامهم... ويعتمدون عليه.. ويستندون إليه في الحكومه والفصل بينهم.... وهم يعتزون بشعره الذي سار مسير الشمس.. وهب هبوب الريح... وهو يتيمه كربلاء – على ساكنيها رحمة الله – ومن عجائبها في فنه الذي شهر به :
تفتخر به كما افتخرت بشعرائها العاميين (( كحسين الكربلائي المتوفي في حدود سنة 1328 للهجره... وعبود ابو حبال ... والحاج قندي .... والسيد عمار .... والسيد حسين العلوي.. والشيخ محمد سراج .... وخريجه الشيخ عبدالله المعلم وغيرهم.... رحمة الله عليهم...
وشعره عندهم عالي القدح.. سلس عذب... وهو مقتدر على المعاني .. لم يسبق إلى كثير في البحور....

ورد عليّ – أي على الأستاذ حسين علي محفوظبالكاظميه ليلة الأحد لتسع وعشرون ليلة خلت من شهر رجب من سنة 1368 للهجرة.... وأهدى إليّ ديوان شعره.. وقرأ عليّ شيئا منه ... واطلعت على مجلدين مخطوطين من عيون شعره لم يخرج إلى الناس....

له شعر كثير وديوانه الموسوم بــ (( المنظومات الحسينيه )) أيسر من الأمثال... وأخرج عنه مجلدين ضخمين... وله (( الأغاريد )) أيضا.. وغيرها...

 

[1] (كان يظم)