
الشاعر المرحوم السيد مصطفى جمال الدين

السيد
مصطفى بن جعفر بن عناية الله، من عشيرة (آل حسن)، ولقبت
أسرة السيد مصطفى بـ
(جمال
الدين) نسبة لجدهم الأعلى السيد محمد الذي كان يلقب
بجمال الدين لتبحره في العلوم الدينية.
وُلد السيد مصطفى سنة 1346هـ في قرية
المؤمنين في محافظة الناصرية جنوب العراق.
درس في كتاتيب قرية المؤمنين ثم انتقل
الى ناحية كرمة بني سعيد لمواصلة الدراسة الابتدائية، فاكمل منها حتى
الصف الرابع
بعدها هاجر الى النجف الأشرف لدراسة العلوم الدينية،فأكمل مرحلتي
المقدمات والسطوح
ثم انتقل بعد ذلك الى مرحلة البحث الخارج، وأخذ يحضر حلقات آية الله
العظمى السيد
أبوالقاسم الخوئي (قدس سره)، وعرف بين زملائه بالنبوغ المبكر والذكاء
الحاد، حيث
كتب تقريرات أستاذه في الفقه والأصول.حاز على شهادة الماجستير بدرجة
(جيد جداً) في
جامعة بغداد ثم عين أستاذاً في كلية الآداب بجامعة بغداد، فذاع صيته
وأصبح معروفاً
على مستوى العراق والعالم العربي وبعد ذلك حاز على شهادة الدكتوراه في
بدرجة
(ممتاز)
من قسم اللغة العربية وذلك عام 1979م.
كان السيد مصفى جمال الدين
شاعراً مطبوعاً، نشأ و تعلم في أحضان أسرة دينية معروفة، وكتب الشعر
منذ أن كان في
مرحلة الدراسة المتوسطة، وعندما التحق بالجامعه كانت القصيدة تنطلق منه
بسهولة، الا
ان دراسته الحوزوية مع شغفه بالشعر دفعا به للتعرف على شعراء العراق
المعاصرين
:
السياب،
السباتي والجواهري ، وكان للجواهري أقرب. يمتاز شعره بميزة وهي المزج
بين
الشعور الوطني والغزل، وله مبادرات انسانية يتفاعل بها مع الحدث
الحياتي، ويعلق
عليه بطريقته الشعرية.
وافاه الأجل المحتوم (رحمه الله) في سوريا أثر مرض
عضال ألّم به ، وذلك عام 1416هـ و دفن في دمشق في مقبرة السيدة زينب
(عليها
السلام(
من أجمل ما قرأت لهذا الشاعر الرائع هذه القصيدة التي أهديكم
أياها جميعاً..وأهديها إهداءً خاصاً لأستاذي العزيز أبو زهراء
"من
أمس الأمة إلى غدها"
أُلقيت القصيدة عام 1991 في ديترويت
-الولايات
المتحدة في مؤتمر إسلامي تحت شعار (واقع الأمة الإسلامية في العصر
الحاضر(
ولمناسبة مرور 14 قرنا على وفاة الرسول الأعظم. وجاءت القصيدة
استعراضاً
لهذا الواقع الذي تعيشه الأمة
عُودِي لأمسِـكِ ينطلـق منـكِ الغـدُ مـا شـعَّ فـي دَمِـكِ النبـيُ محمـدُ
يا أُمـةً يبـسَ الزمـانُ ، و عُودهـا ريـانُ مـن نـبـعِ النُـبـوّةِ أمـلَـدُ
تَسـرِي بأعمـاقِ السنيـنِ جُــذورُهُ وتَشُـدُّ أذْرُعَـهُ النـجـومُ فيصـعـدُ
ما ارتاعَ مِن عَسْفِ المُحُولِ ولا انثنـى بيـدِ العواصـفِ فَـرعُـهُ المُـتَـأوِّدُ
ومُـذْ اشتَكَـتْ تلـكَ الجَنائِـنُ حَولَـهُ مِمّـا يَعيـثُ بِهـا الخريـفُ الأجـرَدُ
ألقـى رُواءَ الهَـديِ بيـنَ غُصونِهـا فأفـاقَ حـتـى الهَـامِـدُ المتقـصِّـدُ
وسَرَتْ بِها بعـدَ الذُبـولِ غَضَـارةُ ال قرآنِ ، تُخَصِـبُ رُوحَهـا ، و تُـوَرِّدُ
و تَطلّعـتْ فــإذا بسُـنَّـةِ أحـمـدٍ سُحُـبٌ يَفيـضُ بهـا النعيـمُ ويرفُـدُ
وإذا النُبـوّةُ فـي الوُجـوهِ نَـضـارةٌ والعـقـلِ نورٌ..والقـلـوبِ تَــوَدُّدُ
وإذا بصرعى الجاهليـةِ فـي الوغـى حُمَمٌ..وفـي ليـلِ المَتِيـهَـةِ فـرقـدُ
وإذا بمكّـةَ وهـي صُــمُّ جَـنـادلٍ سُـودِ ، لمؤتلِـق الكَواكـبِ مَقصِـدُ
*****
عُـودِي لدربِـكِ لا يَـصُـدَّكِ أنّــهُ عَـسِـرٌ..ودربُ الآخـريـنَ مُعَـبَّـدُ
وبـأنَّ أمسَـكِ مـن متاعـبِ شوطِـهِ هَرِمٌ..ويومَكِ،مـن صِقـالٍ ، أمــرَدُ
فالمـجـدُ لا تَـرقـى إِلـيـهِ أُمَّــةٌ لـم يُبْـنَ فيهـا بالضحايـا مِصـعَـدُ
والفكـرُ لـم يَقْبِسْـهُ يومـاً خـاطـرٌ تَـرِفُ المَجسَّـةِ ، مـن جَلِيـدٍ أبـرَدُ
عـودي، لأنّ غـداً طَرَقْـتِ رِتاجَـهُ بابٌ - بغيرِ جَلالِ أمسِـكِ - مُوصَـدُ
يُبنى الجديدُ على القديـمِ، وخيـرُ مـا يبقى مـن النَشَـبِ الطريـفُ المُتْلِـدُ
ويُغورُ في النِسيـانِ وَهْـجُ حضـارةٍ بَتـراءَ ، لـم يَرفـع سناهـا مَحـتِـدُ
سُنَنُ الحياةِ : علـى الرمـالِ قلاعُهـا تَهـوِي، وفـي القِمَـمِ المُنيفـةِ تخلُـدُ
*****
يـا أُمـةَ القـرآن لـم يَذْبُـلْ عـلـى شَفَتَيْـكِ هــذا اللـؤلـؤُ المتـوقِّـدُ
تَنـدى بـه ،خَضِـلَ البَيـانِ ،تِـلاوةٌ ويَنثُّـهُ ،عَطِـرَ الخشـوعِ ، تَهـجُّـدُ
وتشِـبُّ فـيـهِ بالفـتـوحِ سَـرِيَّـةٌ ويَضِـجُّ مِنـهُ بالمـعـارفِ مسـجـدُ
ويكاد حتى الصَخـرُ لـو رَنِّـتْ بـه آياتُـهُ ،يُصـغِـي لـهـا ، ويُــردِّدُ
هَـدَرتْ بـه لُغَـةُ، كـأنّ حُروفَـهـا من طِيبِ ما حَمَلـتْ ،شَـذىً مُتَجسِّـدُ
تتسـاءَلُ الكَلِمـاتُ ،وهـي تُقِـلُّـهُ : مِن أيـنَ هـذا الفـارسُ المتفـرِّدُ ؟!
للشِـعـرِ نَنْسِبُهُ؟..ونَـعـرِفُ أنَّــه بَـوْحُ الحيـاةِ ،و زَهوُهـا المُتـمـرَّدُ
لكنّـه مهمـا استَطـالَ يَظَـلُّ فــي حَصَـرٍ، أمــامَ شُمـوخِـهِ يتنـهْـدُ
يـا أُمـةَ القُـرآنِ أَمسُـكِ مُخصِـبُ بوَرِيـفِ مـا أعطـى ويومُـكِ أَربَـدُ
مـا بـالُـكِ استدبـرتِـهِ وتَرَكـتِـهِ يَخْتـالُ بَيـن بَنِيـهِ وهــو مُصَـفَّـدُ
يُلقِيـهِ فـي حَلَـكِ القلـوبِ تَـبـرُّكٌ ويُذِيـبُـهُ بـيـن الشِـفـاهِ تَـعــوُّدُ
ويكـاد يستجـدي الهُـدى مِـنْ فِتْيَـةٍ لـولا تَوهُّـجُ نُـورِهِ لــم يهـتـدُوا
*****
يـا أمّـةً بَـهَـرَ الخُـلـودُ لِداتِـهـا فيمـا أَقـامَ بهـا البُـنـاةُ وشَـيّـدوا
وتَأنَّـقَ التـاريـخُ فــي خُطُـواتِـهِ يجلـوا بهـا مـا شَرَّعـوهُ وقَـعُّـدوا
الـعـدلُ أُسٌّ..والعُـلـومُ فريـضـةٌ والحُكـمُ شورى..والسياسـةُ سُـؤدَدُ
والنـاسُ عنـد وُلاتِـهـا وقُضاتِـهـا شَـرَعٌ..سـواءٌ عبـدُهـم والسـيّـدُ
والأرضُ أرضُ اللهِ لا (كسـرى) بهـا يَهِـبُ الحيـاةَ، ولا (هِرَقْـلُ) يُسعِـدُ
و (محمـدٌ) عُـرُشُ المَمالـكِ دونَـهُ قَدراً، على خَشِـنِ الحَصِيـرة يرقُـدُ
و (عليٌ) ذو الثَوْبينِ يَكسـوا (قمبـراً) أغلاهُمـا ولـه الرخيـصُ الأجــرَدُ
و (الراشِـدونَ) ، خلائِفـاً وأئِـمـةً، مـا بيـن أقــدام الرَعـيّـةِ أعـبـدُ
حتى إذا فَتَحوا الفُتوحَ، وأَسرَجـوا ال دنيـا، فَضَـاءَ بهـا الزمـانُ الأسـودُ
و زَهَتْ بوَهْـجِ ذُبالـةٍ فـي (يَثـربٍ) غُـرَفٌ بأعلـى (طاشَقَـنْـدٍ) هُـجَّـدُ
أَلفيتُـنـا يـحـدو طـلائـعَ ركبِـنـا تَيْـهٌ، ويَغمـرُهـنْ لـيـلٌ سَـرمَـدُ
وتشعَّبتْ طُـرُقُ المَتِيـهِ: فَشـرَّقَ ال أعمى..وغـرَّبَ فـي دُجـاهُ الأرمـدُ
*****
يـا أُمّـة الإسـلامِ وِقْـفَـةَ حـائـرٍ تَزِنِيْـنَ فيهـا : مـا يُرِيحُ..ويُجـهِـدُ
عودي لأمسِكِ تركبـي طُـرُقَ الهـدى فالأرضُ سَهْـلٌ ، والركائـبُ حُشَّـدُ
و أمـامَ عَيـنِـكِ حـاضِـرٌ متـقـدَّمٌ فيـه مـن الرَشَـدِ الوفيـرُ الأجـوَدُ
فتخيّـري مـا تَشتهيـنَ ، وجَــدِّدي هِمَمـاً تكـادُ مـن التَغـرُّبِ تهـمُـدُ
وتعدّدي طُرُقـاً فـلا تُوهِـي السُـرى سَعَـةُ (المذاهِـبِ) والمـدى مُتوحِّـدُ
فالـرأي تَصقُلُـهُ العقـولُ ، تَخالَفَـتْ نَظَـراً، وقـد يُصدِيـهِ عقـلٌ مُفـرَدُ
والخوفُ ليـسَ بـأن نكـونَ مَنائِـراً شتّى ، تُضِيُء لنـا السبيـلَ وتُرشِـدُ
الخـوفُ أن يُبْنـى فـريـقٌ مُسـلِـمٌ بحُطـامِ آخـرَ ، مِثـلَـهُ ، يتـبـدَّدُ !
والخوفُ مـن لُقيـا عَـدوِّكَ شَاهِـراً لأخيـكَ صـارِمَ حِقـدِهِ فتُمـجِّـدُ !!
والخـوفُ أنَّ (العُنصريّـةَ) هَـوَّمـتْ زَمَناً..فأيْقَظَـهـا الــدمُ المُسـتـورَدُ
والخـوفُ أنّ (الطائِفـيّـةَ) تَبتـنـي أعشاشَهـا بيـنَ العُـقـولِ فنحـمَـدُ
ونَطيـرُ أسرابـاً نُرفـرِفُ حولَـهـا ونَـعُـبُّ فَـضْـلَ دمائِنـا..ونُـغَـرِّدُ
*****
يا قومُ حَسبُكـمُ التفـرقُ فـي المـدى فالليـلُ طـاغٍ ، والضَيـاعُ مُعـربِـدُ
والطائفيّةُ - وهي أسـوءُ مـا سعـى أعداءكـم فيـه - تُصـانُ وتُعـضَـدُ
ويكادُ (رَمزُ الطائفيّـةِ) - وهـو مَـنْ تَـدرونَ بُغضـاً للتـديّـنِ - يُعـبَـدُ
ما انْفَـكَّ يَلمِـزُ مِـنْ ذُرى أحسابِنـا حَنَقاً ، فَ(يُعجِمُنـا) لكـم أو (يُهنِـدُ)
نحـنُ العـراقُ شُمـوخُـهُ وإبــاؤهُ وكريـمُ مـا أعطـى بنـوهُ وأنجـدوا
عُـرُبٌ تكـاد عُروقُنـا - ممّـا بهـا مـن (دارِمٍ) و (مجاشِـعٍ) - تتفصَّـدُ
وجرى بنـا الإسـلامُ سَيْـلَ حضـارةٍ وتَمَـدُّنٍ ، يُرغـي هُــداهُ ويُـزبِـدُ
و امْتدَّ وَهْـجُ (القادسيّـةِ) مـن دِمـا آبائِنا..حـتـى (الشُعَيْـبَـةِ) يَشـهَـدُ
أَتـكـونُ مِحنَتُـنـا ; لأنَّ قلـوبَـنـا مـن نَـبْـعِ آلِ محـمـدٍ تَـتَـزوّدُ ؟!
ويكـون عُـذرُ بنـي أبيـنـا أنّـهـم خُدِعوا ببارقِ مـا يَقـولُ فأرعـدوا ؟
هَبْكُمْ صَدَقْتُـمْ مـا تَنطَّـعَ فيـه مـن حَـرقِ اليـهـودِ مُنـافـقٌ مُتَـهـوِّدُ
أفتسكتـونَ ، وقـد أحـالَ خرائـبـاً مَثـوى الأئمـةِ ، جيشُـهُ المستأسِـدُ
حتى كأنّ بكربـلاءِ (حائـط المبكـى) وفـي النجـف (الكِنيسِـتُ) يُعقَـدُ !!
*****
يا رَملَـةَ النجـفِ الشريـفِ تَذكْـري ظَمأَ العيـونِ، ففـي يَدَيْـكِ المـوردُ
حَنّتْ ، فكـان لهـا بذكـرِكِ مَسـرحٌ وَ شَكتْ ، فكـان لهـا برملِـكِ إثْمِـدُ
أشْرَقْتِ بي نَـوْراً ، وغَرسـي ناعـمٌ و زَهوتِ بي ثَمَـراً ، وعُـودي أغْيَـدُ
وَ وَقيتِني غِرَرَ الشبـابِ فمـا الْتَـوَتْ قَـدَمٌ ، ولا امتَـدّتْ لِناقِـصَـةٍ يَــدُ
و عَبَرتِ بي نَهْرَ الكُهولةِ ، لم يَضِـقْ ذَرعـاً بصارِيَتـي الشِـراعُ المُجهَـدُ
حتـى إذا (الستّـونَ) أَثقَـلَ جِذْعَهـا ثَلْـجُ الشِتـاءِ ، وبَـاخَ ذاك المَـوقِـدُ
ألفيتُني و مَـلاَبُ رَملِـكِ فـي مـدى عَينـيَّ مـن زُهـرِ الكواكـبِ أبعَـدُ
و وجدتُني أنأى ، وأحمِل فـي دمـي مـن ذكرياتِـكِ مــا بــه أتجـلَّـدُ
أَعـزِزْ علـيَّ بــأن أراكِ فَريـسـةً لِنُيـوبِ وَحـشٍ لـم يـزلْ يترصّـدُ
يُعمِـيـهِ أنّــكِ للـعـراقِ مَـنـارةٌ ولشعبِـهِ عـنـدَ الشـدائـدِ مُنـجِـدُ
و بـأنّ حَمـراءَ القِـبـابِ تُزينُـهـا لهُـمْ ، دِمـاءُ سَراتِهـا ، لا العسجـدُ
فطغـى ليَغسِـلَ فيـكِ عـارَ هزيمـةٍ ألقـاهُ فيهـا مَــنْ بـهـم يتـمـرّدُ
كَذِبَ الغـرورُ ، فلـنْ يَهُـدَّ (عَقيـدةً) سيـفٌ لـدى (أمِّ المعـاركِ) مُغمـَدُ
|